أيتام سوريا__ الضحايا المنسيون

04 Ocak 2019

سكبت مها كمية من البرغل والعدس في إناء فوق مدفأة مهترئة تبرع فيها أحد الجيران، وأوقدت النار بقطع قماش وأكياس نايلون جمعها شقيقها إبراهيم من الشوارع، استعدادا لتحضير وجبة العشاء.

تَحلّقَ الأشقاء الثلاثة مها وإبراهيم ونواف حول الإناء لتناول وجبتهم الوحيدة هذا اليوم، وغطى دخان المدفأة الأسود غرفتهم المعتمة، ذات الجدران المتشققة.

تبدو علامات عدم الرضا واضحة على وجههم أثناء تناول الطعام، فالطفلة مها بدأت الطبخ منذ 15 يوما فقط، بعد أن غيّب سجن هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) والدتها لأسباب مجهولة.

يقاطع سعال حاد نتيجة الدخان الكثيف حديث مها التي لم تبلغ بعد التاسعة من عمرها، حين قالت للجزيرة نت “نعيش نحن الثلاثة وحدنا في المنزل، فوالدتي في السجن ولا نعرف عنها شيئا، ووالدي استشهد بغارة جوية قبل أربع سنوات في الشارع المقابل لمنزلنا، لا تتوفر لدينا الكهرباء ولا الماء ولا حتى أغطية تقينا البرد”.

وتضيف بصوت غلبت عليه البحّة أنهم توقفوا عن الذهاب للمدرسة منذ اعتقلت والدتها، فهي من كانت توقظهم صباحا وتحضر لهم الطعام حين العودة.

يجوب إبراهيم -الشقيق الأكبر ذو العشرة أعوام- شوارع مدينة جسر الشغور بريف إدلب الغربي طوال ساعات النهار لطلب المال والطعام من المارة، ويبحث بين ركام المنازل المدمرة وأنقاض الأبنية عن بقايا أخشاب بغرض التدفئة، لكنه لا يحظى إلا بالقليل الذي لا يسد الرمق، بحسب ما قال للجزيرة نت.
مجموعة من الأطفال يلعبون في قرية الرياح المرسلة المخصصة للأيتام (الجزيرة)

 

تعاطف الأهالي
يقول أحمد الصوفي إمام أحد مساجد جسر الشغور إنه زار الأطفال الثلاثة بعد أن سمع قصتهم من الجيران، وشعر بالصدمة حين رأى أطفالا صغارا يعيشون وحدهم في منزل متهالك دون معيل.

وأضاف الصوفي أن الأطفال وافقوا على الانتقال للعيش في منزله إلى حين إطلاق سراح والدتهم.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو عن معاناة الأطفال الثلاثة، حيث عبّر الناشط خالد صقر عن استنكاره لحادثة اعتقال الوالدة من قبل هيئة تحرير الشام، خاصة أنها مسؤولة عن أطفال يتامى.

وعلّقت الناشطة رهام الجراح في موقع فيسبوك “ماذا تنتظرون من أطفال لا يعتني بهم أحد؟ من المؤكد أنهم سيواجهون قسوة الحياة بالشر، أتمنى أن يسخّر الله لهؤلاء الأطفال من يرعاهم”.

 

قرية للأيتام
في غرفة طينية صغيرة بقرية “الرياح المرسلة” المخصصة للأيتام شمال إدلب، تعيش الطفلة غالية مع أشقائها الستة منذ خمس سنوات، وسط ظروف إنسانية غاية في الصعوبة، وغياب شبه تام لأبسط مقومات الحياة عن القرية التي يقطنها نحو ثلاثمئة طفل يتيم الأبوين.

كانت غالية تبلغ تسع سنوات فقط حين نزحت من قريتها “جبين” بريف حماة الشمالي، بعد أن اختطف جنود النظام السوري والدها من المنزل وأردوه قتيلا برصاصتين في الرأس أمام عينيها.

تقول غالية (15 عاما) للجزيرة نت “لا زلت أذكر كيف قتلوا والدي بدم بارد قرب باب المنزل، وكيف هددنا جنود النظام بمصير مماثل لمصير والدي إذا لم نغادر القرية بسرعة”.

لم نجد مكانا نذهب إليه سوى هذه القرية، صحيح أن المعيشة هنا سيئة للغاية، لكنها تبقى أفضل بمرات من العودة إلى كنف قتلة والدي.

أنشئت قرية الرياح المرسلة منتصف عام 2012، بعد جمع تبرعات من رجال أعمال سوريين مقيمين في الخارج، وتقتصر المساعدات فيها على سلال غذائية تقدمها منظمات تتبع للأمم المتحدة، بحسب مدير القرية سعيد أحمد.

وأكد المدير أن القرية تعاني على الصعيد الخدمي، وأنهم لم يتمكنوا من حل مشكلة انقطاع التيار الكهربائي أو تمديد شبكة صرف صحي، فضلا عن بناء مدرسة أو نقطة طبية.

ويرى المدير أنه بالرغم من ضعف الإمكانيات فإن القرية نجحت في إيواء مئات الأطفال الأيتام، وأنقذتهم من التشرد والضياع واستغلال ضعاف النفوس.
المصدر : الجزيرة


Parse error: syntax error, unexpected 'else' (T_ELSE) in /home/kerkuk/public_html/ar/wp-content/themes/Avenue/comments.php on line 26